أصدر حزب موريتانيا القوية، الممنوع من الترخيص، بيانا سياسيا، أمس الخميس، قال فيه إن واقع موريتانيا “بات ينضح بؤسا وألما وحيفا، وأصبح في أمس الحاجة إلى مباضع جراحين مهرة لعلها تنتشله من التردي في وهاد الفشل والضياع والرداءة”.

وأكد الحزب ذو التوجه اليساري، أن “النخب المختفطة للسلطة، بدل التعاطي بجدية مع التحديات والمخاطر المحدقة بالبلاد، والسعي لبلورة استراتيجية تنموية جديرة بهذا الاسم، تستمر سادرة في غيها، لاهية في تجريبية مرتبكة للأشخاص والسياسات القطاعية المعدة بخفة وأحيانا بسوء نية، عاجزة في النهاية عن تنفيذ أي مشروع وطني ينفي صحة شائعة “العقم الإنجازي” التي تطارد النظام”.

وفي ما يلي نص البيان:

“من أجل بناء قطب التغيير الديمقراطي

على كف عفريت، تترنح موريتانيا وقد أثخنت فيها رماح انعدام المسؤولية والكفاءة وسوء التدبير، وحولتها الآمال الخائبة والوعود المخلوفة إلى قنبلة موقوتة تغلي من الداخل بالصراعات والمغارم والمطالب وتحاصرها من الخارج ألسنة لهب لا تتوقف عن التمدد في شبه منطقة تتردى في سعير التخلف والهمجية، وتتحول شيئا فشيئا إلى ساحة للصراع، بل إلى إحدى بؤر المواجهة الساخنة بين القوى الدولية المتكالبة على السوق الإفريقية، وذلك بعد أن أنهكتها الاستراتيجيات الاستعمارية الإجرامية والسياسات الفاشلة للنخب التي تعاقبت على حكمها منذ الاستقلال.
ولعل ما يميز المنطقة المحيطة بنا، ليس فقط الانتشار الواسع للأحكام التسلطية والفقر المدقع والهشاشة والجريمة المنظمة والتنظيمات الإرهابية، بل أيضا انتشار الحروب الأهلية وظاهرة “الحروب الأهلية داخل الحروب الأهلية”، إضافة إلى عودة التغييرات غير الدستورية للأنظمة واستمرار المطامع التوسعية لبعض القوى الإقليمية، وإلى الإبقاء على الروح المعادية لانعتاق بلادنا متقدة ضمن استراتيجيات الأحلاف العدائية، في مسعى مستمر لمنع تحولها إلى جسر تلاق عابر للانتماءات الضيقة وإلى صمام أمان لشعوب مستهدفة ومختبر لبناء أمة قادرة على قلب التوازنات في كل المنطقة، حين تعرف طريقها بفعالية للنهوض من كبوتها واستئناف دورها الحضاري.
لم يكن العالم في أي يوم مكانا آمنا للشعوب التي تفرط في مصادر قوتها ولا للدول التي تعجز عن حماية سيادتها، غير أنه منذ نهاية الحرب البادرة أصبح أكثر خطورة بفعل غطرسة القوى العظمى وهيمنة اقتصاد السوق وتنامي الهويات المتقاتلة، ويبدو أنه مع العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين بلغ مستويات أعلى من الخطورة، ليس بفعل الأوبئة الفتاكة والتغيرات المناخية المتسارعة، فحسب، بل أيضا نتيجة التداعيات المخيفة للمخاض العسير لنظام عالمي متعدد الأقطاب، والتي ليس من أهونها شأنا ذلك الشعور العارم بالقلق المخيم حاليا على أوروبا، بعد أن كانت شعوبها قد أيقنت لوقت طويل تجاوز مرحلة التأثر بالمخاطر المرتبطة بنقص الدواء والغذاء والتدفئة خلال الشتاءات الباردة.
إن نظاما عالميا قيد التكوين، يحبو على أنقاض دول وشعوب عريقة؛ لجدير بأن يأخذ من الموريتانيين وقتا كافيا للتأمل في واقع بلادهم الذي بات ينضح بؤسا وألما وحيفا، وأصبح في أمس الحاجة إلى مباضع جراحين مهرة لعلها تنتشله من التردي في وهاد الفشل والضياع والرداءة.
بدل التعاطي بجدية مع التحديات والمخاطر المحدقة بالبلاد، والسعي لبلورة استراتيجية تنموية جديرة بهذا الاسم، تستمر النخب المختطفة للسلطة سادرة في غيها، لاهية في تجريبية مرتبكة للأشخاص والسياسات القطاعية المعدة بخفة وأحيانا بسوء نية، عاجزة في النهاية عن تنفيذ أي مشروع وطني ينفي صحة شائعة “العقم الإنجازي” التي تطارد النظام، لكنها في نفس الوقت تمتلك الجرأة على بيع وهم أنها قادرة على تحقيق ثورة زراعية من نافذة الزراعة المطرية عبر نقل “المزارعين” إلى قراهم وعقد اجتماعات تحسيسية في مكاتب مغلقة للأطر والموظفين من أجل حثهم على المساهمة الفاعلة في “الحملة الوطنية لتحقيق الاكتفاء الذاتي”!
مائة يوم كانت أكثر من كافية للكشف عن نوايا السلطة وحجم كفاءاتها ومدى قدرتها على الخروج من عباءاتها المختلفة، غير أن الأمر تطلب ثلاث سنوات قبل أن تنهار خيمة التعهدات على من بداخلها، لينجلي الغبار عن صورة أكثر وضوحا لأخطبوط الفشل وقد طالت أذرعه كل شيء! إصلاح التعليم تحول إلى “شائعة رسمية” حول “اقتصار السنة الأولى من التعليم الأساسي على المدارس العمومية”، ملف العشرية يذوب كتمثال من الملح ليعود أبرز نجومه إلى واجهة المناصب السامية “المدرة للدخل”، ويبقى جسر “الحي الساكن” وإخوته شهودا على الإهمال وسوء التدبير وغياب المحاسبة.
ماثلة هي أمارات الإخفاق أيضا في تسيير ملف تزويد البلاد بالمحروقات وفي توفير أغذية وأدوية سليمة من التزوير وبأسعار في متناول المواطنين، كما في التقصير المريب في توفير أوراق مدنية لشرائح واسعة من المواطنين، وفي حماية السكان والحيوان من مياه الأمطار ومن السيول ومن الأمراض والحميات الخطيرة التي رافقت موسم الأمطار الحالي. حتى المستشفيات حرمها الإهمال من أبسط حماية لتغرقها أمطار لا تتجاوز الأربعين ملمترا! ولعل الوضعية الكارثية التي يعيشها سكان نواكشوط اليوم من دار النعيم إلى الميناء والسبخة، خير مثال على قسوة العجز وعلى ذل التفرج على مآسي من تفترض حمايتهم!

في خضم هذ الواقع، تطل مفتشية الدولة على الرأي العام – عبر عرض موجه بالأساس للاستهلاك الخارجي – لتقدم غيضا من فيض عمليات الفساد الجارية والمسجلة ضد مجهولين لا تطالهم الإقالة أحرى المحاسبة، ليكون لها الفضل على الأقل في التأكيد الرسمي – من خلال نوعية وحجم عمليات الاختلاس – على أن الأجيال الجديدة من المسيرين قد تحللت حتى من مسحة الرياء – حتى لا نقول الحياء – التي كانت تجعل أسلافهم يتعففون عن السرقة في وضح النهار، أي عن التجاهل المتبجح لأبسط الإجراءات المحاسبية وصرف أموال الموريتانيين من دون الحاجة حتى لتزوير خدمة في مقابلها! ولعل أفضل مثال على حالة التسيب الحالية كون حوالي نصف المشاريع التنموية “المنفذة” في البلاد خارجة عن السيطرة الحكومية بينما يتردى أكثر من نصفها في الفشل والتأخر، باعتراف الوزير “الوصي“.
من جانبها، وبكثير من التثاقل وخيبة الأمل ، تخرج المعارضة التقليدية من تحت الانقاض مثقلة بالشعور بالمرارة والخديعة بعد انكشاف نوايا السلطة بالاستحواذ على المجال السياسي، وفشل الانفتاح التكتيكي المتصنع، وبعد أن تحول الوعد بالحوار في لحظة وبطريقة فجة إلى سراب، تماما مثلما تبخرت محاولات تسوية ملف الإرث الإنساني أمام رفض إجراء أي تحقيق لإلقاء الضوء على حقيقة ما حصل وتحديد المسئوليات؛ وكأن ما أسقط خيمة التعهدات لم يكن التهاون وقصر النظر وصراع مراكز النفوذ، فحسب، بل النواة الصلبة للنظام وخطوطها الحمر غير القابلة حتى الآن للمساومة ولا للتقادم.
بعد ثلاثة عقود من انتزاعهم لحقوقهم في التعبير والتنظيم والتجمع، يجد الموريتانيون أنفسهم اليوم مكبلين بقانون رموز قذفت به عهود القهر والدكتاتورية، ويوشكون أن يتحولوا جميعا بسببه، وبسبب الشطط في استخدام السلطة والتأويلات المغرضة لغيره من النصوص، إلى سجناء سابقين أو مطلوبين لدى العدالة، في أكبر عملية مطاردة لأصحاب الرأي تعرفها البلاد، يختلط فيها التعطش للسلطة ومحاكاة عتاة الطغاة مع تصفية الحسابات وإطلاق يد الدولة العميقة لفرض ما عجزت عنه “الكياسة” والسياسة.
بعد أكثر من ثلاثين سنة من صدور دستور 20 يوليو 1991 والأمر القانوني المنظم للأحزاب السياسية، تبرز إلى الواجهة إرادة استبدادية للتحكم وتقييد حريات المواطنين المكتسبة بنضالات وطنية تراكمية دفع فيها الموريتانيون بمختلف أجيالهم وتوجهاتهم الغالي والنفيس، مما يهدد بنسف آخر مكاسب تعددية مشوهة لم تستطع حتى اليوم تخليص الموريتانيين من بقايا الأنظمة التسلطية الفاشلة وليدة مخلفات العسكريتاريا الإفريقية والعربية في حقبة ما بعد الاستقلال وتحالفاتها الانتهازية مع النخب المدنية. وليست حالة المشرع الحالي في إقرار قانون استبدادي متجاوز لزمنه الموضوعي سوى أقرب مثال على هذا التحالف الخطير والمستمر.
ومما يبعث على عميق الأسى، أن القوى السياسية التي واكبت صدور الدستور والقوانين المنظمة للحريات والهيئات المعنية بحقوق الإنسان والمواطن والشخصيات الوطنية الديمقراطية، تقف اليوم عاجزة عن إدانة هذا الانتهاك الخطير للحريات، متجاهلة أن اليد التي تجاسرت على تضييق حريات التعبير والتنظيم والتجمع، قد امتدت وستمتد إلى حريات أخرى بل إلى كل الحريات، لاهثة خلف وهم إمكانية صياغة مواطنين وفق مقاسات رؤاها الضيقة ومستميتة في فرض مقارباتها التسلطية على المجال السياسي المثقل أصلا بالأشواك والعقبات، في مسعى ساذج لتحييد قوى التغيير ذات البعد الجماهيري والنفس النضالي والزخم الثقافي.

جعلنا هذا الواقع بالفعل أمام جيل جديد من المسيرين العموميين لا يقرأ التاريخ ولا يستشعر الأخطار ولا يلقي كبير بال لحجم المسؤولية الملقاة على عاتقه والمخاطر التي تترصد البلاد ومستقبلها ، وتتأكد يوما بعد يوم للجميع إرادة الدفع بالأوضاع نحو مزيد من التوتير والتأزيم، من أجل تحقيق غايات ذات أبعاد سياسوية قصيرة النظر، ومهما يكن، فـ “كف العفريت” ليس المكان المناسب للتنزه لفترة طويلة، والوضع لم يعد قابلا للانتظار، ليس لأن الجماعة الحاكمة أصبحت عاجزة عن الاستمرار بل أيضا لأن المحكومين نفذ صبرهم على الضغط والاذلال.

إن حزب موريتانيا القوية، الممنوع من حقه في الترخيص، وهو يستشعر حجم المخاطر المحدقة بالبلاد في هذا الظرف الدقيق من تاريخها:

يدعو الموريتانيين إلى اليقظة ورص الصفوف أمام المحاولات الجارية لإلهائهم في صراعات ونقاشات جانبية عن البت ومعالجة قضاياهم المصيرية.

يوجه نداء ملحا لكافة القوى الوطنية المعنية باستكمال التحول الديمقراطي الذي ننشده جميعا كموريتانيين والذي تقف الانتهازية وقصر النظر السياسي والاستراتيجي حجر عثرة في سبيل تحقيقه من أجل أن تساهم بكل ما أوتيت من قوة في تشكيل قطب التغيير الديمقراطي، القادر على بناء نظام ديمقراطي يكرس المساواة ويضمن تحقيق مطلب العدالة الاجتماعية ومكسب الرفاه الاقتصادي.

اللجنة السياسية
نواكشوط
22 سبتمبر 2022″